الاثنين، 30 سبتمبر 2013

احنا بتوع الحظر: حلقة 3


بعد ما عبرت أنا وابن خالتي عن شعورنا جت بعدها لحظات لذيذة.. مفيش تعليمات.. مفيش أوامر.. مفيش أسئلة كتير ورا بعضها.. مفيش كلام مكرر.. فشغلنا حاجة علي ذوقنا المتقارب وقعدنا ندندن ونحكي واندمجنا وبدأ اليوم يحلو وفجأة.. تليفونه رن وجت الأوامر بالتحرك وفعلاً فصلنا الأغاني واتفصلنا وقفلنا العربية ورحنا علي حسب الوصفة الرائعة.. عند طفاية الحريق اللي في الدور اللي فيه محل جزم كبير علي شمال السلم. طبعاً الوصفة الهايلة دي تسببت إننا نطلع وننزل 3 مرات وفي الآخر اتصلت بي أمي وهي متعصبة: أنتوا فين؟ كل ده بتيجوا ؟ خلي عندك دم الشنط تقيلة.. السؤال اللي كنت بسأله لنفسي: ليه كل كلامها كان بصيغة الجمع ولما جت تشتم وجهت الكلام لي أنا شخصياًّ! بصفة عامة أنا ﻻحظت إن صوت أمي مش جاي من سماعة الموبايل بس إنما كمان جاي من مكان ما فاضطريت اعمل زي المخابرات وطولت المكالمة معاها وحصلت علي المزيد من التهزيق لحد ما لمحتها واقفة جوة محل فشاورت لها وأول ما خرجت قلت لها: هي دي طفاية الحريق؟ ردت بثقة غير مبررة: أنتوا لما اتأخرتوا دخلنا نكمل فرجة علي الحاجات.. بصعوبة طردت كل الأفكار الخبيثة وخصوصاً بعد ما لقيت شنط بتترمي علي بدون حتي سماعي لجملة"شيل الحاجات دي


شيلت الحاجات اللي أمي رمتها علي وابن خالتي شال الحاجات اللي أمه رمتها عليه ومشينا زي الفلبينيين وراهم وهم بيكملوا شراء.. يقال إن عميل المخابرات قبل ما يقبلواه بيعملوا له اختبار ثبات انفعالي بإنهم يمشوه مع أمه في سوق وهو شايل حاجات وأمه بتتفرج علي حاجات تانية. تحرك السيدات في السوق يستحق التعليق عليه من أفضل المعلقين في عالم كرة القدم.. أصعب حاجة هي حالة الانفصال عن الواقع اللي بيبقوا فيها.. يعني تلاقي الست من دول ماشية بتتفرج علي المحلات وكأن المكان مافيهوش غيرها.. مش عاملة اعتبار للكائنات اللي بتتحرك حواليها وبتعتبر إن حق من حقوقها الوقوف في أي لحظة والرجوع لمحل فات وبعد كدة الرجوع في كلامها وتقرر الاستمرار واياك يولع اللي حواليها. طب الست الغريبة الواحد بيلف من حواليها و يبرطم ويمشي لكن لما تكون الست دي أمه يعمل إيه؟

دخلت أمي وخالتي محل أدوات منزلية واضطرينا ندخل معاهم.. إحساس رائع وانت كشاب شيك و روش تبقي واقف وسط ربات البيوت.. بيجيلك هاجس إنك ممكن تبقي حامل علي آخر اليوم. أصعب موقف بيتعرض له أي شاب وهو مع أمه إنه يشوف بنت جميلة.. في العموم الواحد له مكانه وهيبة لكن كل ده بيضيع مع الشنط اللي الواحد شايلها.. المهم حصل اللي كنت خايف منه ولمحت بنت حلوة جاية علي الحتة اللي احنا واقفين فيها لقيت ابن خالتي اتداري ورايا كأنه واقف بالملابس الداخلية ولقيتني في وشها.. قررت إني أواجه مخاوفي واعمل نفسي قال يعني فاميلي مان وبساعد أمي ومستمتع جداً بالشوبينج معاها و ربنا يسامحني علي الكدب ده كله.. قلت أروش بقي واعمل حركة فقمت سألت أمي بصوت حنون: انتي عايزة تشتري إيه علشان اساعدك؟ بصت لي أمي بحنية: قال يعني لو قلت لك هتساعدني.. هو أنت أصلاً بتفهم في الحاجات دي وﻻ أنت عايز تخلص مني وخلاص علشان تروح تصيع مع اللي واقف جنبك ده.. للمرة التاني يحس ابن خالتي بالصدمة بعد وصفه تاني ب "اللي جنبه" أما أنا فشعرت بحرارة شديدة و أراهن إني احمريت ومش بعيد أكون طلعت دخان و اللي زود قهرتي إني لمحت البنت اياها بتبتسم ابتسامة سخرية ولم يشف غليلي إلا لما قاطعتها أمها وقالت لها: ما تبصي معايا يمكن تتعلمي حاجة بدل الخيبة اللي أنت فيها.. ساعتها بس درجة حرارتي نزلت و رديت بابتسامة سخرية وتحول لقاء كان ممكن ينتهي بلذاذة إلي لقاء انتهي بتبادل الشماتة وكل ده بفضل الأمهات

يتبع
 
بعد اللف العميق والجدل مع البياعين اللي كنت بشوف في عيونهم نظرات تحمل معني "ما تحوش أمك عننا يا عم" والطلوع والنزول والرجوع لنفس المحل كل شوية قرروا إنهم خلاص مش عاجيهم حاجة وإن المكان مبقاش قد كدة وإنهم محتاجين ينزلوا مرة تانية في حتة أحسن مع ملاحظة إن الكلام ده كان بعد ما فقدت الإحساس بدراعي من ثقل المشتروات.

الساعة 5:30 وفاضل ساعة ونص بس علي الحظر والمفروض نوصل أمي وخالتي وبعد كدة نرجع ومحصلة المشاوير دي في العادي بتاخد ساعتين وفي الوقت اللي قبل الحظر علي طول بتاخد 5 ساعات.. كل همنا كان إننا نخلص من أمي وخالتي ومحدش يفهم غلط أنا قصدي إننا نوصلهم قبل الحظر علشان مايتبهدلوش في السكة وبعد كدة احنا مش مهم.. وفي رواية أخري مدرعات الجيش هتكون أحن علينا من أمي وخالتي وهم بيتسوقوا

السبت، 28 سبتمبر 2013

احنا بتوع الحظر:حلقة 2


ركبت العربية جنب أمي علشان تبدأ الأسئلة المعتادة.. هو أنا ناسية حاجة علي البوتاجاز؟ أقول لها ﻷ يا ماما تقوم تسألني أنت قفلت باب الشقة بالمفتاح؟ يا ماما اقفله بالمفتاح ليه ما هو بابا فوق.. طب قفلت شباك الحمام علشان بيجيب تراب ويبهدل السيراميك؟ قفلته يا ماما.. وأنا بدور العربية اسمعها بتكلم نفسها وتقول: حاسسه إني ناسية حاجة. طلعتبالعربية ومشينا ﻷول الشارع لقيتها بتصرخ وتزعق في وتقول: عاجبك كدة نسيت الفلوس.. في سري: يعني أنت افتركتي التراب اللي هيدخل الحمام ويترب السيراميك ونسيتي الفلوس في مشوار الهدف منه التسوق. المهم رجعت و جبت الفلوس وانطلقت بسرعة كبيرة علشان لو افتكرت حاجة تانية نكون بعدنا عن البيت فأقول لها مش هنلحق.

وصلت لبيت خالتي فلقيتها واقفة في الشارع وابنها نازل بيجري وشعره منعكش وأظن سهل الواحد يتوقع باقي اللي حصل معاه. نزلت أمي وقعدت ورا مع خالتي وجي ابن خالتي جنبي وبدأوا حوار ممل عن الحاجات اللي هيشتروها قمت مشغل تراكاية ترانسات علشان تحمس الواحد في ظل الشعور العميق بالملل اللي أنا وابن خالتي حاسسين بيه وإذ فجأة اسمع صوت أمي بتقول: إيه القرف اللي انت مشغله ده؟ فردت عليها خالتي: ما هو نفس الزفت اللي بيشغله اللي قاعد جنبه.. ابن خالتي ظهرت عليه الصدمة بعد ما اكتشف إن صفته في الخروجة دي إنه مجرد "واحد قاعد جنبه" أصرت أمي علي تشغيل الراديو وأثناء التقليب لقيت المذيعة بتقدم أغنية أنا بعشك أنا لميادة الحناوي.. كنت لسة هتريق لقيت أمي قالت بصوت مليان حنين (تقريباً آخر مرة سمعته منها كان وأنا رايح الحضانة في أول يوم): الأغنية دي جميلة، ردت عليها خالتي أه جميلة علي الكاسيت علشان بحبها قوي.. أنا (في سري): كاسيت؟ ميادة الحناوي؟ لولا صلة القرابة اللي بيننا كنت نزلتكم انتوا الاتنين هنا وخدت منكم الفلوس والدهب.

ماشيين في طريقنا لقت خالتي بتسأل كأنها لسة صاحية من النوم ولسة مش مميزة الحلم من الحقيقة: هو مش الشارع اللي فات وﻻ احنا لسة ؟ أنا: نعم ؟ أمي: ﻻ لسة مش الشارع ده.. ساعتها بس فهمت إن الحلم كان بيدور حول الشارع اللي المفروض ندخل منه. شوية والدور جي علي أمي.. ادخل الشارع اللي جاي.. أنا: بس ده لسة قدام.. أنت هتفتي؟ ادخل الشارع ده وماتتفذلكش.. أنا(في سري): لولا إنك ست كبيرة كنت رديت عليكي. دخلت الشارع ومشينا فيه ومشينا أكتر ووصلنا ﻵخره لقيت خالتي قالت هو مش هنا وﻻ إيه.. من باب الذوق رد عليها ابنها يا جماعة مش الشارع ده أصلاً احنا المفروض نمشي علي طول ونلف من اليوتيرن اللي قدام البنك وندخل تاني يمين.. ردت أمي بحدة: اقف هنا.. سألت اتنين فواعلية قاعدين علي الأرض: يا ريس هو مول سنترال ماركت منين؟ بص لها بنباهة بيداري بيها البلاهة وقال: بصي أنت تخشي شمال في يمين وتمشي علي طول هتلاقي السنترال اللي أنت عايزاه ده.. أنا: بوكر فيس.. ابن خالتي كتم ضحكة عميقة بداخله وفرغ ضغطها عليه من خلال الاهتزاز في مكانه. مشينا بالعربية فلقيت أمي بتقول لي طب وبعدين.. أنا: يعني الراجل اللي قاعد جبي ده وصف بالتفصيل احنا إزاي نرجع ونروح ولسة بتدوري علي حد نسأله.. ردت علي: أنت بتكابر له؟ طالما مش عارف يبقي تسأل.. أنا (في سري): لولا إنك تخصي أبويا والراجل ده مايخلصنيش زعله كنت سلمتك لأقرب نقطة جيش. بعد ما سألنا سبع مرات علي الطريق اللي احنا عارفينه كويس وصلنا أخيراً للمول فنزلت أمي وخالتي وقالوا لنا: خليكم هنا ولما نشتري حاجات هنكلمكم تيجوا تشيلوها.. أنا وابن خالتي بصينا لبعض واتأكدنا إنهم مشيوا وعبرنا بدقة عن شعورنا.

يتبع

الجمعة، 27 سبتمبر 2013

احنا بتوع الحظر: حلقة 1


النهاردة الجمعة وأمي وخالتي عايزيني في مشاوير كتير جداً ومضطر أنزل بدري علشان الحظر الساعة 7 وهو ده عيب إن يكون عندكم عربية وبتاخدها كتير في المقابل بترضي إنك تتحول لسواق وشيال في مشاوير العائلة. أمي وخالتي هم ثنائي موجود في أغلب العائلات المصرية واللي الخروج معاهم في رحلة تسوق يوازي في أمن الدولة الكهرباء والجلد وتعليق الشخص بالمقلوب وغمس رأسه في جردل مياه عميق. لتخفيف الشعور بالعذاب ولطرد الفكرة الخبيثة اللي بتجيلي دايماً بإني انزل أمي وخالتي في وسط الطريق بالحاجات اللي جابوها وأروَّح أنا قررت إني اتصل بابن خالتي اللي قعدت اقنعه واجمل له في اليوم وعلي قد ما قدرت كدبت عليه وقلت له إنه مشوار بسيط وهيخلص بسرعة وادينا مع بعض بنتسلي وكنوع من الرشوة المشروعة قلت له إن أمي ناوية تبات عندهم فممكن هو ييجي معايا ونقضيها سهر ومزيكا وبلاي ستيشن وأظن إن هو ده اللي اقنعه. رجعت من صلاة الجمعة لقيت أمي حاططة الغداء مع إننا مش بنتغدي عادة قبل الساعة 4 لكن لقيتها بتقول لي يلا كل علشان ننزل فقلت لها بس أنا مش جعان فردت بعصبية خلاص ماتجيش في نص اليوم وتقول جعان وأنت عارف إن أنا وخالتك مش بناكل من الشارع. مش عارف سبب إصرار الأمهات تسمية أكل المطاعم ب "أكل من الشارع" أظن إن المصطلح ده أولي إنه يطلق علي بقايا الأكل اللي في أكوام الزبالة حوالين صندوق كبير اتملي ودلدق بعد تأخر الشركة المختصة في جمعه.

المهم كلت رغم إني مش جعان وقمت اغسل إيدي لقيت أمي بتقول لي يلا أنا ﻻبسة ونازلة ودي عادة في أمي ومعرفش موجودة في كل الأمهات وﻻ أنا اللي حظي طلع كدة لوحدي. كل واحد جواه مجند في حالة الحرب بيطلع لما يكون عايز يغير هدومه علشان يلحق أمه اللي قررت إنها تشق طريقها للشارع بدون أي اعتبار للجزمة اللي نازلة معاها والجميل إنها لو وصلت للشارع ووقفت شوية لحد ما أنزل ساعتها هاخد جرعة تهزيق مش بطالة.. علي العموم طالما هخرج في تسوق مع أمي فالتهزيق قادم ﻻ محالة بس الواحد بيحاول يقلل الكمية بقدر الامكان. لبست هدومي ونزلت أجري ومن سربعتي نسيت اسرح شعري وكانت هي دي أول جرعة تهزيق "ده منظر بني آدم محترم؟" قالتها لي أمي وهي بتبص لشعري بقرف وطلعت مشط من شنطتها وبدأت تسرحني في الشارع.. لو عديت علي شحط طويل عريض ولقيت واحدة ست كبيرة في السن واقفة جنبه بتسرحه وبتشده من ودانه فيا ريت ماتتريقش عليه ﻷنك ممكن تتحط في الموقف ده. المشكلة مكانتش في إنها تسرحني لكن المشكلة إن أي أم مش بتقتنع غير بتسريحة عبد الحليم حافظ فتقوم جايبة الشعر علي جنب وتفلقه من الطرف وبعد ما تسرحه تضغط عليه بايدها قال يعني علشان الوجاهة. استغليت اللحظات اللي كانت هي دخلت العربية وأنا رايح علي الباب التاني علشان أسوق ونعكشت شعري وقلت في سري: يقولوا علي معفن أحسن ما يقولوا علي أهبل.
 
يتبع

الاثنين، 2 سبتمبر 2013

حكم الظلام

 لم أعد أذكر كم مضي علي زمن كانت تعيش فيه القاهرة بدون حظر تجول. ذلك الحظر الذي صار جزءاً من حياتنا وجزءاً من النظام. وزارة تتبعها وزارة وحاكم يتبعه حاكم ويظل الحظر مستمر. أذكر أن بداية الحظر كانت لحماية المواطنين ثم سرعان ما تحولت إلي غطاء للتخلص من المعارضة. أمر علي نقاط التفتيش التي صارت تحت سيطرة الجيش وألاحظ تطور أسلحة أفراده بشكل مستمر. لعل تقبل الشعب الحظر في بدايته كان جرمه الأكبر الذي دفع ثمنه باهظاً. أذكر تلك الأيام التي هلل فيها البعض لمن فرض الحظر لحمايته من الإرهاب ولكن عندما انتهت الحرب علي الإرهاب استمر الحظر وعندما عارض من آيد في البداية كانت نهايته مثل نهاية الإرهاب فما كان له إلا أن يقبل بالأمر الواقع.

كل شيء صار تحت سيطرة الجيش، وزارة الداخلية أصبح دورها أشبه بدور المخبرين لدي الجيش الذي احتفظ بالقوة لنفسه حتي ضد الداخلية نفسها. احدي القصص التي يتداولها المواطنون وقت الحظ أن اغتيال وزير الداخلية الأسبق ومجموعة من مساعديه كانت علي أيدي الجيش الذي الصقها كالعادة بالإرهاب ﻷنه علم بنية الداخلية في الخروج من سيطرة الجيش والعودة لحكم الشارع وجني ثمار السلطة التي استأثر بها الجيش وحده.

الميادين الرئيسية أغلقت بالكامل وتحولت إلي ثكنات ونقاط تمركز تنطلق منها القوات للقيام بدورها في الحرب علي الإرهاب. لم يصبح للمعارضين مكاناً للتظاهر في الشوارع الرئيسية نظراً ﻹنتشار الجيش الذي كان يطلق الرصاص علي أي تجمع وفقاً لقانون الطوارئ الذي يتم مده في كل استفتاء شعبي بالرغم من دعاوي رفض التجديد لكن النظام كان يطبق الدستور جيداً فيما يخص استفتاء الشعب علي الطوارئ لكنه لم يكن يطبق القانون في نزاهة التصويت وشفافية الفرز فوقع الشعب في فخ أسقط فيه نفسه عندما صدق أكاذيب الديموقراطية تحت مظلة العسكر.

بعدما زادت التظاهرات في الشوارع الجانبية وتعالت أصوات الغاضبين وشعروا بالأمان لوجودهم في منطقة خارج نفوذ الجيش قررت قيادات الجيش تعديل قوانين التجنيد، فتم زيادة مدة التجنيد وزيادة شريحة المجندين حتي شملت الفتيات. كانت المبرر لذلك القانون -كالعادة- الحفاظ علي الأمن القومي من التهديدات الخارجية وخصوصاً بعد أن وافقت اسرائيل علي تعديل معاهدة كامب ديفيد وقبلت بزيادة عدد المجندين في سيناء بعد أن وفقت أمورها جيداً مع قيادات الجيش لضمان استخدامهم لقمع أهل سيناء والمشاركة في حصار فلسطين. بالطبع نسبة الجنود التي كانت تنقص الجيش في سيناء أقل بكثير من عدد المجندين بالفعل. وبمرور الوقت ظهرت النوايا الحقيقية للقانون الجديد ألا وهي بدء الانتشار في الشوارع الجانبية لكبت ذلك التيار الجديد الذي بدأ في الشعور بقوته.

كانت الأوامر دائماً استخدام الرصاص الحي، و توقفت مصر عن شراء أسلحة فض الشغب فالجيش ليس بحاجة ﻷدوات تفض الشغب دون أن تقتل. اعتمد الجيش علي توزيع القوات بشكل يخالف مناطق سكنهم أو حتي أصولهم وكان يقسم الأفراد إلي طبقتين، الأولي تتكون من الأفراد الدائمين (النظاميين) والذي بلغت أجورهم أرقام لم يصل إليها غيرهم في البلاد وكان تسليحهم هو الأفضل (غالباً ما يكون في مدرعات ومركبات مصفحة)، أما الطبقة الثانية فكانت من الأفراد المؤقتين (المجندين) والذين كانوا يقضون خدمتهم بأقل الأجور ويحملون أقدم الأسلحة وأضعفها. كان المواطن المقبل علي تجنيده يدرك جيداً أنه في مهمة لقتل مواطن آخر، ربما تبدو تلك الفكرة غير مقبولة ولكن بعد سنوات من القتل والحياة في ظل حرب مع عدو وهمي أسموه الإرهاب تصير الفكرة أكثر قبولاً ومن لم يقبلها كان يقوم بتنفيذها خوفاً علي حياته، فما أكثر من قتلوا في معسكراتهم لامتناعهم عن تنفيذ الأوامر بقتل المتظاهرين.

لم يهتم الجيش بتأسيس دولة بوليسية فهو كان يستمتع بقمع النتيجة ويقال أن أحد القيادات سُئل من أحد الجنود لماذا لا نقبض علي رؤوس التنظيمات فرد ساخراً: ونحرم أنفسنا من متعة قتلهم ! لم يخلو شارع من قتيل أو قاتل، لم يخلو شارع من أطلال منزل احتمي به المتظاهرون من رصاص الجيش فقام بقذفه بالطائرات، لم تتوقف الحرائق لحظة واحدة، لم يعد أمام المواطنين سوي الانصياع لحكم الظلام، لم يعد أمامهم سوي الهرولة إلي منازلهم بعد إعلان القوات وقت الحظر وأنها ستطلق الرصاص علي أي شخص تراه يسير بعد أبواق الإنذار التي تلقي اليأس في قلب الشعب. حل الظلام علي مدينة كانت مزدهرة وتحلم بالحرية وصارت القاهرة مقهورة ولم يعد هناك ما يدعو للأمل. حتي تلك الكلمات سوف اتخلص منها بعد أن انتهي من كتابتها خوفاً من أن يقرأها أحد الشباب المتحمس فيخرج وﻻ يعود مثل غيره وأكون أنا من تسببت في دفعه لنهايته. الحظر لم يعد حظر تجول إنما صار حظر حياة.

الخميس، 8 أغسطس 2013

أيام ما كنا صغيرين

لا كان معانا فلوس وﻻ كنا بنفكر فيها، مش عارفين بكرة فيه إيه وكلنا حماس له، مستنيين نكبر بس مش مضيعين اللحظة. كان محمد السعيد اللي دايماً كان في الشارع لسبب مش عارفه لحد دلوقتي بيعدي علي ونقف تحت بيتي بالساعات لأن البيت كان عندنا زحمة بس الشارع كان بيلمنا وكنا بنقضيها، خروجاتنا كانت بسيطة يادوب كيس كشري من ميزو علي كيس تمر وقضيت وفي وقت العز ناكل تين شوكي من عند موقف العربيات البعيد عن يبوتنا. لما كبرنا شوية عرفنا محمد مصطفي وبقينا نروح نقعد عنده اكمنه معندوش اخوات بنات وأخوه كان أصغر مننا بسنتين فصاحبناه بالعافية كدة علشان نقعد عنده براحتنا. محمد مصطفي كان دايماً عندهم شاي جاهز في أي وقت، أول ما ندخل نلاقي كوبايات الشاي داخلة ورانا وده برضه مش عارف كان بيحصل إزاي بس قشطة يعني.

بعد اكتشاف الجهاز الاليكتروني المسمي بالسيجا كنت من المحظوظين اللي اقتنوا ذلك الجهاز وبعد فترة بسيطة تم نقل الجهاز ده لبيت محمد مصطفي وقلبناه محل، كنا نلعب بالساعات وطبعاً الشاي شغال معانا مش بيقف. فترة الثانوية العامة دخلنا في مود العقل شوية والتمرينات الذهنية فكانت لعبتنا المفضلة هي الشطرنج، طول الأجازة كل يوم بعد العصر تلقائياً كل واحد يتوجه لبيت محمد مصطفي ونقعد في البلكونة نشرب الشاي برضه ونحط فيه نعناع طازة من اللي مزروع في البلكونة.. يعني وقاحة مبالغ فيها مننا.

ليلة العيد كان لينا طقس غريب جداً.. نركب من بيتنا للجيزة ومن هناك ناخد جولة سيراً علي الأقدام في شوارع العاصمة. ننزل التحرير نلف في وسط البلد ننزل الحسين وكل ده مشي والسؤال اللي لحد دلوقتي محدش عارف إجابته هو احنا ليه كنا بنركب للجيزة علماً إن المسافة دي لا تمثل 10 % من المسافة اللي بنمشيها؟ بمرور الوقت حاز الطقس الغريب ده علي إعجاب الكثيرين وبدل ما كنا بننزل احنا الثلاثة بقينا كتير، اللي جاي بالصدفة واللي جاي مع قريبه واللي نقابله في السكة ناخده وفي الآخر كله يبقي مع كله وﻻ حد فاكر مين صاحب مين.

شارع وناصية وبلكونة، كوباية شاي ودور شطرنج وعود نعناع، كيس كشري وتمر هندي وتين شوكي، اللف في الشوارع والتهييس من كتر المشي.. حياة بسيطة ضحكتها كانت من القلب..أيام رغم إنها راحت هتفضل ماضي جميل مجرد ما نفتكره.. نبتسم بجد.

الاثنين، 8 يوليو 2013

وطن.. عرفوه بالظلم

أنا من الجيل اللي اتولد لقي الرئيس بيتقال عليه بابا ومراته ماما وكل حاجة في البلد محطوط عليها اسمهم، أنا من الجيل اللي اتعلم في مدارس مبانيها متهالكة ومدرسيها غير كفء واستخدموه كفئران تجارب في محاولة لتبويظ العملية التعليمية وتحويلها إلي عملية تجهيلية تخرج مواطن بيردد الكلام اللي هم عايزينه، أنا من الجيل اللي قعد أربعة علي دكة بتشيل ثلاثة وكان مطلوب منه التركيز حتي في وضع الشعبطة، أنا من الجيل اللي لما كان بيمرض كان بيروح مستشفيات التأمين الصحي ويتعالج أي كلام علي إيد دكاترة كفروا بالمهنة من الفقر وضعف الإمكانيات، أنا من الجيل اللي مكنش بيلاقي سرير في مستشفي حكومي وكان بيترمي علي جنب لحد ما ربنا يسهل، أنا من الجيل اللي اتخرج ملقاش شغل ولما لقاه كان مالوش أي علاقة بشقي عمره في التعليم وكان بمرتب يخليه بالكاد يقدر يصرف علي نفسه، أنا من الجيل اللي الجواز بالنسبة له بقي حلم بيضيع عمره كله في الشغل والتنطيط من هنا لهنا علشان يوصل له بعد ما يكون راح شبابه وضاعت صحته، أنا من الجيل اللي خاف من الحيطان أم ودان وقال للضابط يا باشا لما شتمه، أنا من الجيل اللي كان كفء لكل مكان اتقدم له بس لأنه غلبان ومالوش ضهر ضاع منه حقه واتحكم عليه بالفشل رغم نجاحه، أنا من الجيل اللي اتغرب في بلده فلما خسر كل حاجة قام بثورة فاتغرب أكتر، أنا من الجيل اللي اتحرم من الفرحة من يوم ما اتولد ومشي في جنازات أكتر ما حضر أفراح.

أنا من الجيل اللي رغم كل اللي قلته ده بيحب بلده لسبب هو نفسه مايعرفوش ولحد دلوقتي بيضحي علشانها رغم كل الظلم اللي شافه منها، أنا من الجيل اللي ساب كل النماذج القذرة واتشعبط في التاريخ في شخصيات اتعلم منها حب الوطن، أنا من الجيل اللي بيحذف من ذاكرته كل اللي يكرهه في بلده ويسيب اللي يرسم صورة حلوة ويخليه يكمل، أنا من الجيل اللي حب وطنه من طرف واحد ولسة مخلص في حبه، أنا من الجيل اللي عرف وطنه لما اتظلم فيه لكنه قال وطني برقبتي مش هافرط فيه.

الخميس، 20 يونيو 2013

مدينة الألوان

يحكي أن في مكان ما كانت هناك مدينة تسمي مدينة الألوان، لم تكن كمثيلتها من المدن فسكان تلك المدينة كانوا مقسمين إلي مجموعات ولكل مجموعة منهم لون صبغوا به أنفسهم ليتميزوا به عن باقي المجموعات فتلك مجموعة حمراء وتلك خضراء وأخري زرقاء، سكان لهم نفس الأصل يعيشون في نفس المدينة يختلطون ببعضهم في العمل والأسواق وكل الأماكن العامة، يتعرضون لنفس المشاكل يحكمهم نفس الحاكم لا يميزهم عن بعض سوي تلك الألوان التي يصبغون بها أنفسهم.

كل مجموعة بنفس اللون كانت تفرق بينها وبين باقي المجموعات ذات اللون المختلف، كل مجموعة تنظر للأخري بتعالٍ، تجتمع في محافل مغلقة خالية من الألوان الأخري لتثني علي نفسها ويؤكد أعضاؤها علي تميز مجموعتهم عن الآخرين، يؤكدون لبعضهم أنهم الصفوة، يشددون علي ضرورة مساعدة بعضهم لبعض حتي لا يقع أحد منهم تحت سطوة أبناء الألوان الأخري ، يكررون علي مسامع بعضهم أن الألوان الأخري تتربص بهم وتنتظر الفرصة لتنقض عليهم. اجتماع ليس من وراءه أي شيء يفيد المجموعة، فقط تحفيز الأعضاء علي الحذر من الألوان الأخري، فقط لتأكيد العداء مع المجموعات الأخري، وبعد أن ينفض الاجتماع يذهب كل منهم لمخالطة باقي الألوان بمحبة مصطنعة تتخفي وراءها الكراهية التي يتم تجديدها في كل اجتماع.

اعتاد سكان المدينة علي النفاق وإنكار حقيقة أنهم يتربصون ببعض وللتغطية علي كراهيتهم اتفقوا بشكل ضمني علي الاختلاط الظاهري ومشاركة باقي الألوان في مظاهر الحياة المختلفة، كان ذلك غطاءً مناسباً لخططهم الشيطانية للإضرار بالآخر فلا توجد مجموعة تستطيع أن تصارع كل الألوان وحدها كما أن كل مجموعة تحتاج الأخري لإتمام مصالحها وتوفير جزء من احتياج لا بديل له عند أبناء اللون الواحد.

وفي ليلة شتوية أمطرت السماء بشدة ولتهالك المباني اخترقت الأمطار الأسقف ودخلت البيوت واستيقظ سكان مدينة الألوان فوجدوا الصبغة وقد زالت عن أجسادهم، هرولوا للشوارع ليجدوا كل سكان مدينة الألوان بلا ألوان، لم يستطع الأحمر تمييز الأحمر الذي كان مثله وبحث الأزرق طويلاً فلم يجد الأزرق، لا ألوان اليوم، مجرد سكان لهم نفس الهيئة يعيشون في نفس المدينة التي أصبحت مدينة خربة بعد أن شغلهم الصراع عن بنائها ، مدينة خلت اجتماعاتهم من الاهتمام بها فصاروا مجموعات تتصارع علي بقايا مدينة، تسعي كل مجموعة منهم للسيطرة عليها في حين أن حالها لا يشرف حاكمها ولم يعد بها أي جاذبية أو طمع لحكمها.

الصدمة أوقفت الجميع مشلولي التفكير غير قادرين علي اتخاذ قرار، ماذا نفعل ؟ أبعد كل ذاك الصراع نعيش جميعاً بلا ألوان ؟ أيصبح عدو الأمس صديق اليوم ورفيق الغد ؟ كيف ؟ وما حال قادتنا ؟ وما حال مشاريعنا وأحلامنا في السيطرة علي المدينة ؟ أسئلة متتالية تدفعهم للجنون .. وفجأة وكأن صمتهم كان حوار اتفقوا فيه علي القرار السليم فانطلق كل منهم مسرعاً إلي بيته بحثاً عن صبغته وعاود صبغ نفسه مرة أخري وعندها فقط شعر كل شخص أنه استرد عقله وحياته. نام الجميع واستيقظوا في اليوم التالي ليجدوا أن كل مجموعة قد صبغت نفسها مرة أخري وﻻ حيرة بعد اليوم، سنكمل ما بدأناه، سنكمل اجتماعاتنا، سنكمل صراعنا ويوماً ما سنحكم تلك المدينة الخربة.