الجمعة، 27 سبتمبر 2013

احنا بتوع الحظر: حلقة 1


النهاردة الجمعة وأمي وخالتي عايزيني في مشاوير كتير جداً ومضطر أنزل بدري علشان الحظر الساعة 7 وهو ده عيب إن يكون عندكم عربية وبتاخدها كتير في المقابل بترضي إنك تتحول لسواق وشيال في مشاوير العائلة. أمي وخالتي هم ثنائي موجود في أغلب العائلات المصرية واللي الخروج معاهم في رحلة تسوق يوازي في أمن الدولة الكهرباء والجلد وتعليق الشخص بالمقلوب وغمس رأسه في جردل مياه عميق. لتخفيف الشعور بالعذاب ولطرد الفكرة الخبيثة اللي بتجيلي دايماً بإني انزل أمي وخالتي في وسط الطريق بالحاجات اللي جابوها وأروَّح أنا قررت إني اتصل بابن خالتي اللي قعدت اقنعه واجمل له في اليوم وعلي قد ما قدرت كدبت عليه وقلت له إنه مشوار بسيط وهيخلص بسرعة وادينا مع بعض بنتسلي وكنوع من الرشوة المشروعة قلت له إن أمي ناوية تبات عندهم فممكن هو ييجي معايا ونقضيها سهر ومزيكا وبلاي ستيشن وأظن إن هو ده اللي اقنعه. رجعت من صلاة الجمعة لقيت أمي حاططة الغداء مع إننا مش بنتغدي عادة قبل الساعة 4 لكن لقيتها بتقول لي يلا كل علشان ننزل فقلت لها بس أنا مش جعان فردت بعصبية خلاص ماتجيش في نص اليوم وتقول جعان وأنت عارف إن أنا وخالتك مش بناكل من الشارع. مش عارف سبب إصرار الأمهات تسمية أكل المطاعم ب "أكل من الشارع" أظن إن المصطلح ده أولي إنه يطلق علي بقايا الأكل اللي في أكوام الزبالة حوالين صندوق كبير اتملي ودلدق بعد تأخر الشركة المختصة في جمعه.

المهم كلت رغم إني مش جعان وقمت اغسل إيدي لقيت أمي بتقول لي يلا أنا ﻻبسة ونازلة ودي عادة في أمي ومعرفش موجودة في كل الأمهات وﻻ أنا اللي حظي طلع كدة لوحدي. كل واحد جواه مجند في حالة الحرب بيطلع لما يكون عايز يغير هدومه علشان يلحق أمه اللي قررت إنها تشق طريقها للشارع بدون أي اعتبار للجزمة اللي نازلة معاها والجميل إنها لو وصلت للشارع ووقفت شوية لحد ما أنزل ساعتها هاخد جرعة تهزيق مش بطالة.. علي العموم طالما هخرج في تسوق مع أمي فالتهزيق قادم ﻻ محالة بس الواحد بيحاول يقلل الكمية بقدر الامكان. لبست هدومي ونزلت أجري ومن سربعتي نسيت اسرح شعري وكانت هي دي أول جرعة تهزيق "ده منظر بني آدم محترم؟" قالتها لي أمي وهي بتبص لشعري بقرف وطلعت مشط من شنطتها وبدأت تسرحني في الشارع.. لو عديت علي شحط طويل عريض ولقيت واحدة ست كبيرة في السن واقفة جنبه بتسرحه وبتشده من ودانه فيا ريت ماتتريقش عليه ﻷنك ممكن تتحط في الموقف ده. المشكلة مكانتش في إنها تسرحني لكن المشكلة إن أي أم مش بتقتنع غير بتسريحة عبد الحليم حافظ فتقوم جايبة الشعر علي جنب وتفلقه من الطرف وبعد ما تسرحه تضغط عليه بايدها قال يعني علشان الوجاهة. استغليت اللحظات اللي كانت هي دخلت العربية وأنا رايح علي الباب التاني علشان أسوق ونعكشت شعري وقلت في سري: يقولوا علي معفن أحسن ما يقولوا علي أهبل.
 
يتبع

الاثنين، 2 سبتمبر 2013

حكم الظلام

 لم أعد أذكر كم مضي علي زمن كانت تعيش فيه القاهرة بدون حظر تجول. ذلك الحظر الذي صار جزءاً من حياتنا وجزءاً من النظام. وزارة تتبعها وزارة وحاكم يتبعه حاكم ويظل الحظر مستمر. أذكر أن بداية الحظر كانت لحماية المواطنين ثم سرعان ما تحولت إلي غطاء للتخلص من المعارضة. أمر علي نقاط التفتيش التي صارت تحت سيطرة الجيش وألاحظ تطور أسلحة أفراده بشكل مستمر. لعل تقبل الشعب الحظر في بدايته كان جرمه الأكبر الذي دفع ثمنه باهظاً. أذكر تلك الأيام التي هلل فيها البعض لمن فرض الحظر لحمايته من الإرهاب ولكن عندما انتهت الحرب علي الإرهاب استمر الحظر وعندما عارض من آيد في البداية كانت نهايته مثل نهاية الإرهاب فما كان له إلا أن يقبل بالأمر الواقع.

كل شيء صار تحت سيطرة الجيش، وزارة الداخلية أصبح دورها أشبه بدور المخبرين لدي الجيش الذي احتفظ بالقوة لنفسه حتي ضد الداخلية نفسها. احدي القصص التي يتداولها المواطنون وقت الحظ أن اغتيال وزير الداخلية الأسبق ومجموعة من مساعديه كانت علي أيدي الجيش الذي الصقها كالعادة بالإرهاب ﻷنه علم بنية الداخلية في الخروج من سيطرة الجيش والعودة لحكم الشارع وجني ثمار السلطة التي استأثر بها الجيش وحده.

الميادين الرئيسية أغلقت بالكامل وتحولت إلي ثكنات ونقاط تمركز تنطلق منها القوات للقيام بدورها في الحرب علي الإرهاب. لم يصبح للمعارضين مكاناً للتظاهر في الشوارع الرئيسية نظراً ﻹنتشار الجيش الذي كان يطلق الرصاص علي أي تجمع وفقاً لقانون الطوارئ الذي يتم مده في كل استفتاء شعبي بالرغم من دعاوي رفض التجديد لكن النظام كان يطبق الدستور جيداً فيما يخص استفتاء الشعب علي الطوارئ لكنه لم يكن يطبق القانون في نزاهة التصويت وشفافية الفرز فوقع الشعب في فخ أسقط فيه نفسه عندما صدق أكاذيب الديموقراطية تحت مظلة العسكر.

بعدما زادت التظاهرات في الشوارع الجانبية وتعالت أصوات الغاضبين وشعروا بالأمان لوجودهم في منطقة خارج نفوذ الجيش قررت قيادات الجيش تعديل قوانين التجنيد، فتم زيادة مدة التجنيد وزيادة شريحة المجندين حتي شملت الفتيات. كانت المبرر لذلك القانون -كالعادة- الحفاظ علي الأمن القومي من التهديدات الخارجية وخصوصاً بعد أن وافقت اسرائيل علي تعديل معاهدة كامب ديفيد وقبلت بزيادة عدد المجندين في سيناء بعد أن وفقت أمورها جيداً مع قيادات الجيش لضمان استخدامهم لقمع أهل سيناء والمشاركة في حصار فلسطين. بالطبع نسبة الجنود التي كانت تنقص الجيش في سيناء أقل بكثير من عدد المجندين بالفعل. وبمرور الوقت ظهرت النوايا الحقيقية للقانون الجديد ألا وهي بدء الانتشار في الشوارع الجانبية لكبت ذلك التيار الجديد الذي بدأ في الشعور بقوته.

كانت الأوامر دائماً استخدام الرصاص الحي، و توقفت مصر عن شراء أسلحة فض الشغب فالجيش ليس بحاجة ﻷدوات تفض الشغب دون أن تقتل. اعتمد الجيش علي توزيع القوات بشكل يخالف مناطق سكنهم أو حتي أصولهم وكان يقسم الأفراد إلي طبقتين، الأولي تتكون من الأفراد الدائمين (النظاميين) والذي بلغت أجورهم أرقام لم يصل إليها غيرهم في البلاد وكان تسليحهم هو الأفضل (غالباً ما يكون في مدرعات ومركبات مصفحة)، أما الطبقة الثانية فكانت من الأفراد المؤقتين (المجندين) والذين كانوا يقضون خدمتهم بأقل الأجور ويحملون أقدم الأسلحة وأضعفها. كان المواطن المقبل علي تجنيده يدرك جيداً أنه في مهمة لقتل مواطن آخر، ربما تبدو تلك الفكرة غير مقبولة ولكن بعد سنوات من القتل والحياة في ظل حرب مع عدو وهمي أسموه الإرهاب تصير الفكرة أكثر قبولاً ومن لم يقبلها كان يقوم بتنفيذها خوفاً علي حياته، فما أكثر من قتلوا في معسكراتهم لامتناعهم عن تنفيذ الأوامر بقتل المتظاهرين.

لم يهتم الجيش بتأسيس دولة بوليسية فهو كان يستمتع بقمع النتيجة ويقال أن أحد القيادات سُئل من أحد الجنود لماذا لا نقبض علي رؤوس التنظيمات فرد ساخراً: ونحرم أنفسنا من متعة قتلهم ! لم يخلو شارع من قتيل أو قاتل، لم يخلو شارع من أطلال منزل احتمي به المتظاهرون من رصاص الجيش فقام بقذفه بالطائرات، لم تتوقف الحرائق لحظة واحدة، لم يعد أمام المواطنين سوي الانصياع لحكم الظلام، لم يعد أمامهم سوي الهرولة إلي منازلهم بعد إعلان القوات وقت الحظر وأنها ستطلق الرصاص علي أي شخص تراه يسير بعد أبواق الإنذار التي تلقي اليأس في قلب الشعب. حل الظلام علي مدينة كانت مزدهرة وتحلم بالحرية وصارت القاهرة مقهورة ولم يعد هناك ما يدعو للأمل. حتي تلك الكلمات سوف اتخلص منها بعد أن انتهي من كتابتها خوفاً من أن يقرأها أحد الشباب المتحمس فيخرج وﻻ يعود مثل غيره وأكون أنا من تسببت في دفعه لنهايته. الحظر لم يعد حظر تجول إنما صار حظر حياة.

الخميس، 8 أغسطس 2013

أيام ما كنا صغيرين

لا كان معانا فلوس وﻻ كنا بنفكر فيها، مش عارفين بكرة فيه إيه وكلنا حماس له، مستنيين نكبر بس مش مضيعين اللحظة. كان محمد السعيد اللي دايماً كان في الشارع لسبب مش عارفه لحد دلوقتي بيعدي علي ونقف تحت بيتي بالساعات لأن البيت كان عندنا زحمة بس الشارع كان بيلمنا وكنا بنقضيها، خروجاتنا كانت بسيطة يادوب كيس كشري من ميزو علي كيس تمر وقضيت وفي وقت العز ناكل تين شوكي من عند موقف العربيات البعيد عن يبوتنا. لما كبرنا شوية عرفنا محمد مصطفي وبقينا نروح نقعد عنده اكمنه معندوش اخوات بنات وأخوه كان أصغر مننا بسنتين فصاحبناه بالعافية كدة علشان نقعد عنده براحتنا. محمد مصطفي كان دايماً عندهم شاي جاهز في أي وقت، أول ما ندخل نلاقي كوبايات الشاي داخلة ورانا وده برضه مش عارف كان بيحصل إزاي بس قشطة يعني.

بعد اكتشاف الجهاز الاليكتروني المسمي بالسيجا كنت من المحظوظين اللي اقتنوا ذلك الجهاز وبعد فترة بسيطة تم نقل الجهاز ده لبيت محمد مصطفي وقلبناه محل، كنا نلعب بالساعات وطبعاً الشاي شغال معانا مش بيقف. فترة الثانوية العامة دخلنا في مود العقل شوية والتمرينات الذهنية فكانت لعبتنا المفضلة هي الشطرنج، طول الأجازة كل يوم بعد العصر تلقائياً كل واحد يتوجه لبيت محمد مصطفي ونقعد في البلكونة نشرب الشاي برضه ونحط فيه نعناع طازة من اللي مزروع في البلكونة.. يعني وقاحة مبالغ فيها مننا.

ليلة العيد كان لينا طقس غريب جداً.. نركب من بيتنا للجيزة ومن هناك ناخد جولة سيراً علي الأقدام في شوارع العاصمة. ننزل التحرير نلف في وسط البلد ننزل الحسين وكل ده مشي والسؤال اللي لحد دلوقتي محدش عارف إجابته هو احنا ليه كنا بنركب للجيزة علماً إن المسافة دي لا تمثل 10 % من المسافة اللي بنمشيها؟ بمرور الوقت حاز الطقس الغريب ده علي إعجاب الكثيرين وبدل ما كنا بننزل احنا الثلاثة بقينا كتير، اللي جاي بالصدفة واللي جاي مع قريبه واللي نقابله في السكة ناخده وفي الآخر كله يبقي مع كله وﻻ حد فاكر مين صاحب مين.

شارع وناصية وبلكونة، كوباية شاي ودور شطرنج وعود نعناع، كيس كشري وتمر هندي وتين شوكي، اللف في الشوارع والتهييس من كتر المشي.. حياة بسيطة ضحكتها كانت من القلب..أيام رغم إنها راحت هتفضل ماضي جميل مجرد ما نفتكره.. نبتسم بجد.

الاثنين، 8 يوليو 2013

وطن.. عرفوه بالظلم

أنا من الجيل اللي اتولد لقي الرئيس بيتقال عليه بابا ومراته ماما وكل حاجة في البلد محطوط عليها اسمهم، أنا من الجيل اللي اتعلم في مدارس مبانيها متهالكة ومدرسيها غير كفء واستخدموه كفئران تجارب في محاولة لتبويظ العملية التعليمية وتحويلها إلي عملية تجهيلية تخرج مواطن بيردد الكلام اللي هم عايزينه، أنا من الجيل اللي قعد أربعة علي دكة بتشيل ثلاثة وكان مطلوب منه التركيز حتي في وضع الشعبطة، أنا من الجيل اللي لما كان بيمرض كان بيروح مستشفيات التأمين الصحي ويتعالج أي كلام علي إيد دكاترة كفروا بالمهنة من الفقر وضعف الإمكانيات، أنا من الجيل اللي مكنش بيلاقي سرير في مستشفي حكومي وكان بيترمي علي جنب لحد ما ربنا يسهل، أنا من الجيل اللي اتخرج ملقاش شغل ولما لقاه كان مالوش أي علاقة بشقي عمره في التعليم وكان بمرتب يخليه بالكاد يقدر يصرف علي نفسه، أنا من الجيل اللي الجواز بالنسبة له بقي حلم بيضيع عمره كله في الشغل والتنطيط من هنا لهنا علشان يوصل له بعد ما يكون راح شبابه وضاعت صحته، أنا من الجيل اللي خاف من الحيطان أم ودان وقال للضابط يا باشا لما شتمه، أنا من الجيل اللي كان كفء لكل مكان اتقدم له بس لأنه غلبان ومالوش ضهر ضاع منه حقه واتحكم عليه بالفشل رغم نجاحه، أنا من الجيل اللي اتغرب في بلده فلما خسر كل حاجة قام بثورة فاتغرب أكتر، أنا من الجيل اللي اتحرم من الفرحة من يوم ما اتولد ومشي في جنازات أكتر ما حضر أفراح.

أنا من الجيل اللي رغم كل اللي قلته ده بيحب بلده لسبب هو نفسه مايعرفوش ولحد دلوقتي بيضحي علشانها رغم كل الظلم اللي شافه منها، أنا من الجيل اللي ساب كل النماذج القذرة واتشعبط في التاريخ في شخصيات اتعلم منها حب الوطن، أنا من الجيل اللي بيحذف من ذاكرته كل اللي يكرهه في بلده ويسيب اللي يرسم صورة حلوة ويخليه يكمل، أنا من الجيل اللي حب وطنه من طرف واحد ولسة مخلص في حبه، أنا من الجيل اللي عرف وطنه لما اتظلم فيه لكنه قال وطني برقبتي مش هافرط فيه.

الخميس، 20 يونيو 2013

مدينة الألوان

يحكي أن في مكان ما كانت هناك مدينة تسمي مدينة الألوان، لم تكن كمثيلتها من المدن فسكان تلك المدينة كانوا مقسمين إلي مجموعات ولكل مجموعة منهم لون صبغوا به أنفسهم ليتميزوا به عن باقي المجموعات فتلك مجموعة حمراء وتلك خضراء وأخري زرقاء، سكان لهم نفس الأصل يعيشون في نفس المدينة يختلطون ببعضهم في العمل والأسواق وكل الأماكن العامة، يتعرضون لنفس المشاكل يحكمهم نفس الحاكم لا يميزهم عن بعض سوي تلك الألوان التي يصبغون بها أنفسهم.

كل مجموعة بنفس اللون كانت تفرق بينها وبين باقي المجموعات ذات اللون المختلف، كل مجموعة تنظر للأخري بتعالٍ، تجتمع في محافل مغلقة خالية من الألوان الأخري لتثني علي نفسها ويؤكد أعضاؤها علي تميز مجموعتهم عن الآخرين، يؤكدون لبعضهم أنهم الصفوة، يشددون علي ضرورة مساعدة بعضهم لبعض حتي لا يقع أحد منهم تحت سطوة أبناء الألوان الأخري ، يكررون علي مسامع بعضهم أن الألوان الأخري تتربص بهم وتنتظر الفرصة لتنقض عليهم. اجتماع ليس من وراءه أي شيء يفيد المجموعة، فقط تحفيز الأعضاء علي الحذر من الألوان الأخري، فقط لتأكيد العداء مع المجموعات الأخري، وبعد أن ينفض الاجتماع يذهب كل منهم لمخالطة باقي الألوان بمحبة مصطنعة تتخفي وراءها الكراهية التي يتم تجديدها في كل اجتماع.

اعتاد سكان المدينة علي النفاق وإنكار حقيقة أنهم يتربصون ببعض وللتغطية علي كراهيتهم اتفقوا بشكل ضمني علي الاختلاط الظاهري ومشاركة باقي الألوان في مظاهر الحياة المختلفة، كان ذلك غطاءً مناسباً لخططهم الشيطانية للإضرار بالآخر فلا توجد مجموعة تستطيع أن تصارع كل الألوان وحدها كما أن كل مجموعة تحتاج الأخري لإتمام مصالحها وتوفير جزء من احتياج لا بديل له عند أبناء اللون الواحد.

وفي ليلة شتوية أمطرت السماء بشدة ولتهالك المباني اخترقت الأمطار الأسقف ودخلت البيوت واستيقظ سكان مدينة الألوان فوجدوا الصبغة وقد زالت عن أجسادهم، هرولوا للشوارع ليجدوا كل سكان مدينة الألوان بلا ألوان، لم يستطع الأحمر تمييز الأحمر الذي كان مثله وبحث الأزرق طويلاً فلم يجد الأزرق، لا ألوان اليوم، مجرد سكان لهم نفس الهيئة يعيشون في نفس المدينة التي أصبحت مدينة خربة بعد أن شغلهم الصراع عن بنائها ، مدينة خلت اجتماعاتهم من الاهتمام بها فصاروا مجموعات تتصارع علي بقايا مدينة، تسعي كل مجموعة منهم للسيطرة عليها في حين أن حالها لا يشرف حاكمها ولم يعد بها أي جاذبية أو طمع لحكمها.

الصدمة أوقفت الجميع مشلولي التفكير غير قادرين علي اتخاذ قرار، ماذا نفعل ؟ أبعد كل ذاك الصراع نعيش جميعاً بلا ألوان ؟ أيصبح عدو الأمس صديق اليوم ورفيق الغد ؟ كيف ؟ وما حال قادتنا ؟ وما حال مشاريعنا وأحلامنا في السيطرة علي المدينة ؟ أسئلة متتالية تدفعهم للجنون .. وفجأة وكأن صمتهم كان حوار اتفقوا فيه علي القرار السليم فانطلق كل منهم مسرعاً إلي بيته بحثاً عن صبغته وعاود صبغ نفسه مرة أخري وعندها فقط شعر كل شخص أنه استرد عقله وحياته. نام الجميع واستيقظوا في اليوم التالي ليجدوا أن كل مجموعة قد صبغت نفسها مرة أخري وﻻ حيرة بعد اليوم، سنكمل ما بدأناه، سنكمل اجتماعاتنا، سنكمل صراعنا ويوماً ما سنحكم تلك المدينة الخربة.

الأربعاء، 5 يونيو 2013

الحمد لله إني ماطلعتش بنت

"ليه يا ربي ماخلقتنيش ولد" جملة سمعتها كتير من أكتر من بنت لكن عمري ما سمعت ولد بيقول "ليه يا ربي ماخلقتنيش بنت" ولما سألت نفسي هو أنا مبسوط إني ولد لقيتني برد بكل حزم: طبعاً .. سر الحزم وسرعة الرد كان ناتج من تأملي لطبيعة حياة البنات في مجتمعنا في مقابل طبيعة حياة الذكور.

يعني أنا كولد من حقي إني اختار المهنة اللي تعجبني ومحدش هايقول لي: ماينفعش ولد يشتغل شغلانة زي دي حتي لو أنا كفء ليها وفي المقابل ألاقي بنت غير كفء بتشتغل المهنة دي وبتخربها فقط لأن المجتمع قرر إن دي مهنة أنثوية لا يحق للرجل إنه يشتغلها لكن من حق أي بنت إنها تشتغلها ﻷنها بنت.

كوني ولد فده بيديني الحق إني احلم ويبقي عندي طموح سواء بالتدرج الوظيفي أو إني يبقي لي مشروعي الخاص أو إني الف العالم أو إني اتسلق جبل ايفيرست أو أي حلم احلمه , أما لو أنا بنت فكل أحلامي ﻻزم تتركز علي الحصول علي عريس وبعد كدة طموحي تبقي هي طموح جوزي وأحلامي هي تحقيق الراحة له وكأنه متزوج من أرقي الفنادق السياحية ولو فكرت يبقي عندي حلم المجتمع هايسخر مني ويبدأ في طرح التساؤلات العقيمة من نوعية: في بنت مش بتفكر في الجواز؟ وكأن عقل الأنثي خلق للبحث عن عريس فقط.

كوني ولد فده هايجنبني نعت المجتمع لي بالعانس بمجرد تجاوزي الخامسة والعشرين , بالعكس في مجتمعنا بيفضلوا الراجل كعريس كل ما كان كبير في السن ﻷنه بيكون عقل وتجاوز مرحلة طيش الشباب ده غير إنه بيكون مقتدر ومعاه خميرة حلوة تعيش العروسة كويس. وبالتالي لما اقابل حد في فرح هايقول لي "إيه ؟ مش ناوي" وأنا اللي ارسم وش التناكة واقول مش دلوقتي عندي أولويات وساعتها الناس هاتقول علي واد ثقيل , في حين إني لو بنت الكلام هايكون "عقبالك .. ربنا يرزقك بابن الحلال وماتزعليش .. كله بأوانه" حتي لو حلفت لهم إني عندي أولويات اللي هايعتبروها حجة أداري بيها عنوستي وخيبتي.

قبل ما اسيب موضوع الزواج أنا كولد لو اتجوزت وطلقت اقدر اتجوز تاني واطلق تاني وجاذبيتي هاتزيد كل ما اطلق اكتر لأن ده معناه إن البنات كتير وانا اللي بغير فيهم (من وجهة نظر المجتمع) في حين إني لو بنت واتطلقت مرة واحدة ساعتها المجتمع هاينظر لي (بدون أي سبب) إني مستباحة وإني سهلة المنال وممكن اروح مع أي حد بكلمتين وصعب جداً حد يفكر يتجوزني حتي لو أنا مناسبة ليه في كل حاجة ﻷنه كدكر شرقي عايز بنت بنوت حتي لو كانت غير مناسبة كزوجة.

مجتمعنا بيمنح الذكر حرية الخطيئة , فأنا كولد اقدر أصاحب بنات زي ما أنا عايز واقدر اشتم بأقذع الألفاظ وكمان اشرب سجائر وممكن مخدرات وارتكب فواحش كمان لو حبيت لأن كل ده هايتمحي بمجرد ما اعلن توبتي وساعتها مجتمعنا الشرقي العظيم هايقول: ربنا هداه وأهو كلنا كنا كدة أيام شبابنا وأديه عِقِل , أما لو أنا لا قدر الله بنت يبقي اتحكم علي بسوء السمعة بقية حياتي لو عملت حاجة واحدة بس من اللي الحاجات اللي عملها الشاب اللي عقل ومايبقاش من حقي التوبة فمجتمعنا المتدين بطبعه منح حق الخطيئة للذكر ومنحه حق التوبة وهو لو كان متدين فعلاً كان عرف إن الدين ساوي بين الاتنين في الخطيئة وفي التوبة.

مجتمعنا العبقري قدر إنه يبتكر منطق خاص بيه في التمييز بين البنت والولد , منطق مالوش أي أساس ديني وﻻ له علاقة بطبيعة المرأة وطبيعة الرجل , منطق لو ناقشته فيه هاينتهي النقاش بجملة "هي دي عاداتنا وتقاليدنا كشرقيين" ودي مقولة بتفكرنا بعبادة الكفار للأصنام بنفس السبب .. هذا ما وجدنا عليه آباءنا , وعلشان كدة في مجتمع زي ده أقدر أقول بكل ثقة الحمد لله إني مش بنت.

الأحد، 2 يونيو 2013

أن تعيش أي حاجة

إنك لما تاكل .. تاكل أي حاجة المهم إنها تشبعك، إنك لما تدرس .. تدرس أي حاجة المهم تلاقي بيها شغل، إنك لما تتجوز .. تتجوز أي حد المهم إنك ماتفضلش منغير جواز، إنك لما تشتغل .. تشتغل أي حاجة المهم إنك تلاقي تاكل من وراها، إنك لما تسكن .. تسكن في أي حتة المهم تلاقي مكان يلمك وخلاص .. إنك تعيش وتموت وانت منساق وفاقد القدرة علي الاختيار أو متنازل عن حقك في الاختيار فتكتشف في نهاية حياتك إنك عشت أي حاجة وبالتالي مت أي حد

ملحوظة: لما كتبت الكلام ده ماحطتش معاه أي صورة .. المهم إن الكلام يتكتب وخلاص