الأحد، 5 فبراير 2012

مرارة الغدر .. من وحي مذبحة الألتراس


م التالتة شمال بنهز جبال وبأعلي صوت دايماً نشجع الابطال , فريق كبير فريق عظيم اديله عمري وبرضه قليل. يستيقظ كريم علي منبه محموله الممتلئ بالهتافات التي اعتاد أن ينشدها مع اصدقاءه في المدرجات لتشجيع ناديهم النادي الأهلي. ينهض كريم من سريره بنشاط وحماس فاليوم مباراة الاهلي مع المصري وإقامة المباراة في بورسعيد لا يمثل سبباً كافياً لعدم ذهابه للوقوف وراء فريقه المفضل. يدخل الحمام سريعاً ويتناول فطوره في عجالة ويتجه لغرفته ليرتدي ملابسه , يحضر الشراب من تحت السرير , ويحضر البنطلون المعلق خلف باب غرفته علي شماعة مثبته بمسمار واحد علي وشك السقوط , ثم يفتح دولابه لينظر بإحترام لما بداخله حيث توجد فانلة النادي الأهلي معلقة وحدها علي شماعة وباقي ملابسه متناثرة علي أرضية الدولاب. يرتدي ملابسه ويخرج علم النادي الأهلي من تحت وسادته ويخرج مسرعاً من المنزل فتلحق به أمه لتعطيه بعض المأكولات.

كريم : ايه يا ماما الاكل ده كله ؟ هو انا هابات هناك ؟
الام : يا ابني الجو برد .. والشتا يحب الاكل
كريم : انا عايز اقول لك إن النادي الاهلي لن ينسي دورك في حصوله علي الدوري
الام : طب يا خويا علي الله ما ترجعوش خسرانين وتكسفونا
كريم : لا .. اوعي تقولي كدة .. الدوري للاهلي حتي لو الزمالك قادم
الام : طب خد بالك من نفسك
كريم : هو انا رايح العراق .. ده يادوب مشوار صد رد نجيب التلات نقط ونيجي علي طول .. يلا بقي علشان متأخرش لسة هاعدي علي احمد شاكر
الام : سلم لي عليه .. وابقي دوقه القرص اللي انا عاملاها .. هو بيحبها
كريم (وهو يقفز علي السلالم) : حاضر .. سلام
ينطلق كريم في الشارع ذاهباً لصديقه احمد شاكر الشهير ب "شيكو" وهو عضو قديم في الالتراس ومجنون بالنادي الاهلي وكان يحلق شعره وهو صغير ليصبح شبه حسام حسن. يصل كريم لمنزل شيكو ويبدأ في مناداته


كريم : شيكو .. يا شيكو
ابو شيكو : ايوة يا كريم احمد في الحمام .. البيه بقاله ساعة جوة تقولش عريس ورايح فرح النهاردة
شيكو يقف في الحمام يحلق ذقنه متذكراً عندما اجبره والده علي حلاقة شعره علي الزيرو بعد أن رسم علي رأسه بماكينه الحلاقه "UA07" وبعد أن انتهي من حلاقة ذقنه نظر في المرآة وقال لنفسه "يوم لما أبطل أشجع هكون ميت أكيد"
ابو شيكو (ما زال يحدث كريم) : شجعوا بضمير حرس الحدود شارخ وعمال يكسب ابن اللذينة ومش عايزين نشمت فينا حسام وابراهيم
شيكو (يتسحب من وراء والده ثم يصرخ قائلاً) : الاهلي فوق .. فوق الجميع
ابو شيكو : يا ابن الكلب .. طب ايه رأيك لو الاهلي خسر النهاردة مش هادخلك البيت
شيكو (بتحدي): طب لو كسب
ابو شيكو : يلا يا زبالة من هنا .. اهو ده اللي فالح فيه
شيكو : ماشي يا حاج .. انا مش هارد عليك بس إكراماً للاهلي
يمسك ابو شيكو بحذائه ويرميه علي شيكو فيتفاداه وينزل مسرعاً ليصطحب كريم إلي محطة مصر لملاقاة باقي المجموعة وعند وصولهم للمحطة يرد شيكو علي محموله

شيكو : ايوة يا هاني احنا وصلنا .. فين ؟ .. أه خلاص شوفتك
كريم : ايه اللي جاب الواد ده معانا ؟
شيكو : ايه يا معلم فيها ايه يعني ؟
كريم : ده واد خنيق وهو اصلاً مالوش في التشجيع بيقعد في الاستاد كأنه قاعد في بيتهم بيتفرج علي مسلسل تركي .. واتفضل يا عم جايب اخوه الصغير كمان
شيكو : الواد ده انا بشبه عليه .. المهم اتقل انت بس وماتبوظش اليوم
يصل شيكو وكريم لهاني واخوه الذي كان يرتدي فانلة الالتراس فبرغم صغر سنه إلا إنه مشجع مجنون بالنادي الاهلي ومثله الاعلي محمود الخطيب
هاني : ازيك يا احمد ايه الاخبار ؟ ده اخويا مصطفي تانية إعدادي التراس زييك يا شيكو
شيكو : وانا بقول شوفته فين .. الالتراس برضه بيحن
كريم (يتحدث لمصطفي) : يعني هاتسد مع جمهوري المصري
مصطفي (بحزم) : عيب عليك .. انت بتكلم واحد اهلاوي
كريم : شكلنا هانبقي اصحاب
شيكو : طب يلا ندخل الرصيف علشان يادوب نظبط امورنا

تتجه المجموعة لرصيف القطار لتندمج بزيها الاحمر وسط الاعداد الضخمة من الشباب الذي يرتدي نفس اللون المميز للنادي الاهلي وتزامن المباراة مع اجازة منتصف العام كان سبباً في إنضمام المزيد من المشجعين من طلبة المدارس والجامعات مع الاخذ في الإعتبار أن عامل الدراسة لم يكن يشكل عائقاً لكثير من الجماهير العاشقة لناديها لدرجة الجنون. ينطلق القطار من محطة لأخري لينتقل بين المحافظات يشق صمت المدن بهتافات تصدر بشكل منظم كما اعتدنا منذ تأسيس رابطة المشجعين في عام 2007. يقف القطار قبل بورسعيد ويبدأ المشجعون بالنزول.

هاني : في ايه ؟ هو احنا هاننزل هنا ليه ؟
شيكو : لا ماتقلقش دي حركات تمويه بنعملها علشان لو جمهور المصري مستنينا عند المحطة
هاني : هو الموضوع خطر قوي كدة
مصطفي : ما تقلقش يا عم ده شغب ملاعب متعودين عليه
هاني : انت تسكت خالص .. لما نروح لينا تصرف تاني
كريم (يرد علي محموله) : ايوة يا زيزو .. احنا وصلنا الكاب .. هانركب الاتوبيسات ونطلع علي الاستاد .. انت وصلت ؟ طب اعمل لك ايه يعني انت اللي رايح بدري ؟! .. خلاص استنانا عند البوابة اللي دخلنا منها المرة اللي فاتت .. ياد انت عبيط تدخل ايه ؟ هو انا هاعرف الاقيك جوة ؟ وبعدين جوة الشبكة بتبقي زبالة .. خلاص احنا هانركب اهو وجايين .. سلام
مصطفي : هو زيزو ده جاي منين ؟
كريم : زيزو ده من بورسعيد
مصطفي : يا راجل .. وسايبينه إزاي ؟!
كريم : مش سايبينه قوي يعني .. ده بعد كل ماتش ابوه بيبيته عند جده
شيكو : يلا هو ده الاتوبيس اللي هانركبه

يصعد الجميع للاتوبيس ويتحرك الموكب متجهاً للإستاد حيث تلتقي المجموعة ب "زيزو" الذي اصر علي الجلوس في الصفوف الامامية ليقوم بتحية كابتن بركات عندما يحرز هدفاً وتوجه معه شيكو وكريم لكن هاني رفض الجلوس في المقدمة وأجبر مصطفي علي البقاء معه مما ازعج مصطفي وأراح كريم الذي لم يعد يطيق التواجد مع هاني.

تبدأ المباراة وسط تشجيع حار من الجانبين وخصوصاً شباب الالتراس الذين عاهدوا فريقهم علي الوقوف وراءه أياً كانت النتيجة مما يمثل دافع للاعبي الاهلي للفوز دائماً حتي لا يخذلوا مشجعيهم المخلصين الذين لا يشاهدون أغلب احداث المباراة نظراً لإنشغالهم بالتشجيع. وتوالت احداث المباراة من فرحة عارمة بتقدم الاهلي ثم صمت جاء بعد كل هدف تمكن النادي المصري من تسجيله ثم عودة للتشجيع . نزول بعض جماهير المصري للملعب بعد احراز فريقهم اهداف اثار قلق هاني لكنه لم يصب أياً من شباب المجموعة بالقلق فهم اعتادوا علي مثل تلك المناوشات. أطلق الحكم صافرة النهاية ليعلن هزيمة الأهلي ليعم الحزن مدرجات الجماهير ولكن قاطع الجماهير في حزنهم نزول اعداد ضخمة من جماهير المصري. وقف جمهور الاهلي مذهولاً للحظات يهيء نفسه نفسياً للإشتباك إلا أن مع اقتراب جماهير المصري لاحظ البعض حملهم لآلات حادة وشوم وهنا ادركوا أن هؤلاء ليسوا بجمهور أنما كتيبة إعدام فبدأوا بالهتاف للإنسحاب الجماعي من المصير المجهول وبدأوا في الجري عبر كراسي الاستاد مسرعين لكن الغدر كان اسرع منهم وبدأت الصفوف الاولي في التشجيع والاخيرة في الهروب في السقوط بأيدي المُغيرين. لم يري احد الذي كان يحدث لمن يسقط وراءهم لكن اصوات صراخه كانت توحي لهم ببشاعة ما يتعرض له.

وجود زيزو في الخط الاقرب للمُغيرين بالإضافة لتكدس الاهلاوية الذين يسعون للنجاة امامه جعله يدرك أنه لا مفر فحاول الحصول علي الامان بصفته من ابناء البلد فوقف امام الهجوم رافعاً بطاقته الشخصية قائلاً "انا بورسعيدي .. انا بورسعيدي" وقبل أن يكررها للمرة الثالثة كان قد تلقي ضربه علي رأسه اسقطته علي الارض ليكون آخر ما تراه عينيه اقدام القتلة تعبر فوقه لكي تلحق بضحية جديدة.

وجود هاني ومصطفي بالقرب من البوابة اتاح لهم الهروب قبل وصول المُغيرين لهم إلا أن عند وصولهم للبوابة وجدوها مغلقة وتكدست اعداد كبيرة في مكان ضيق تحاول الهروب من الموت وعندما يأس البعض من العبور من البوابة المغلقة شكلوا تياراً للتوجه لبوابة ثانية وعندما نظر هاني بجواره لم يجد اخيه لكن سمع صوته من بعيد يناديه "هاني .. هاني" وكان قد تم دفعه بعيداً في التيار الجديد الباحث عن مخرج غير ذلك المسدود فحاول هاني الخروج من امام البوابة للوصول لأخيه غير عابئاً بالمصير الذي سيلاقيه إذا لم يتمكن من الخروج لكن في تلك اللحظة انهارت البوابة ليسير هو الآخر بالإكراه إلي خارج الاستاد حيث وجدوا مجموعة اخري من المُغيرين لكن اعدادهم كانت اقل فتمكن شباب الالتراس من إبعادهم لكن قبل أن ينسحبوا كان هاني قد تلقي ضربه علي رأسه افقدته توازنه فحمله أحد الناجيين وكان آخر ما يفكر به قبل أن يفقد الوعي مصير اخيه الصغير الذي مازال داخل الاستاد.

يبدأ محمول شيكو بالرنين في محاولة من والده للإطمئنان عليه بعد أن شاهد ما شاهد علي التلفاز ولكن لم يكن شيكو في وضع يسمح له بالرد علي أي مكالمات فقد كان منشغلاً بالهروب هو وكريم بالقفز علي كراسي المدرجات ليتعثروا مرة تلو الأخري لكن كان عليهم الاختيار بين تحمل آلام التعثر أو ملاقاة المجهول. وفي احد المرات التي تعثر فيها شيكو اصيب في قدمه ولم يعد قادراً علي الهروب فيسقط علي الأرض لينظر إلي تقدم المُغيرين واقترابهم منه متمنياً أن يكون كل ذلك مجرد كابوس أو أن يرأف القتلة بحاله أو علي الاقل يضربوه دون قتله.

عندما شعر كريم أنه سبق المُغيرين بمسافة فنظر بجانبه باحثاً عن شيكو فلم يجده فوقف علي أحد الكراسي لينظر في الاستاد فشاهد مجموعة متكالبة علي أحد المشجعين فحاول التعرف علي الضحية متمنياً أن لا يكون صديقه شيكو لكنه لم يتمكن من كثرة المتكالبين وعندما انهوا مهمتهم وانصرفوا عنه نظر علي وجهه فلم يتعرف إليه من كثرة الدماء لكنه تعرف علي فانلته والحظاظة الشهير بها وقبل أن ييصل كريم للتصرف السليم شاهد مجموعة من المُغيرين تقترب منه ولم يكن هناك حلاً سوي الهروب ليجري باكياً علي صديقه يشعر بالخجل من تخليه عن صديقه في الوقت الذي استمر محمول شيكو بالرنين دون رد.

يفيق هاني من غيبوبته ليجد نفسه محاطاً بمجموعة كبيرة من المصابين في غرفة احتوت علي لونين الاحمر من دماء المصابين وفانلات النادي الاهلي , والابيض من الشاش وعندما تذكر اخيه صاح كالمجنون "مصطفي" وتنقل بين المصابين باحثاً عنه لكن دون جدوي فسأل أحد الاطباء "في مكان تاني فيه مصابين؟" فقال ليه أن هناك مصابين تم نقلهم للمستشفي الأميري فسارع في الخروج وحاول البعض منعه محذرينه من أن خروجه يعرضه للموت وخصوصاً في ظل إختفاء الامن لكن ذعره علي اخيه غيب عقله وعندما يأس منه الشباب ورأفوا بحاله طلبوا منه خلع فانلة النادي الاهلي واعطوا له طاقية ليغطي إصابته ليخرج باحثاً عن أخيه الذي يتمني أن يجده بين المصابين ففي تلك الظروف الاصابة هي النهاية السعيدة.

وصل كريم بعد عدة مناورات وبعد أن هدأت الاوضاع إلي محطة القطار ليركبوا نفس القطار لكن ليس بنفس الجمهور فهناك من غاب للإصابة وهناك من تم نقله في صندوق وهناك من حصل علي لقب مفقود. كان القطار كعربة الاسعاف لايوجد به أحد إلا وبه إصابة , الكل منهك , حزين , في حالة ذهول تمنعه من الحديث أو حتي التفكير , نفس الصورة ونفس المشهد في عقول الجميع فمنهم من فقد صديق ومنهم من كان شاهداً علي قتل صديق. لم تعد الفانلات والاعلام فقط التي تحمل اللون الأحمر , لم يقوموا بالغناء كما كان الحال في قطار الصباح.

جلس كريم في ذهول وصدمة أخرست لسانه وأسالت دموعه فهو لا يذكر أي شيء سوي صورة شيكو وهو ملقي بين المدرجات غارقاً في دمه فاحتضن شنطة المأكولات التي تبقي فيها بعض القرص التي صنعتها ام كريم لكن رغم حب شيكو لتلك القرص فهو لن يذوقها بعد اليوم. ووسط ذلك الحزن جاء من نهاية العربة صوتاً مبحوحاً منهكاً يقول "قلناها زمان للمستبد الحرية جاية لابد liberta كانت مكتوبة" فينظر الركاب لبعضهم البعض وقد امتلأت اعينهم بالدموع واحتضن كريم علم النادي الأهلي مردداً "يا حكومة بكرة تعرفي بإيدين الشعب هاتنضفي .."

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق